الشنقيطي

75

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ . فالجواب - أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن . ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم : غضبت تميم أن تقتل عامر * يوم النسار فأعتبوا بالصيلم فمعنى قوله « أعتبوا بالصيلم » : أي أرضوا بالسيف . يعني ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف . وقول عمرو بن معد يكرب : وخيل قد دلفت لها بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع يعني لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع . وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل - علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة . والياء في قوله « يستغيثوا » والألف في قوله « يغاثوا » كانا هما مبدلة من واو ، لأن مادة الاستغاثة من الأحرف الواوي العين ، ولكن العين أعلت للساكن الصحيح قبلها ، على حد قوله في الخلاصة : لساكن صح انقل التحريك من * ذي لين آت عين فعل كأبن وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : يَشْوِي الْوُجُوهَ أي يحرقها حتى تسقط فروة الوجه ، أعاذنا اللّه والمسلمين منه ! وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تفسير هذه الآية الكريمة أنه قال : « كالمهل يشوي الوجوه » ، هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه . قال ابن حجر رحمه اللّه في ( الكافي الشاف ، في تخريج أحاديث الكشاف ) : أخرجه الترمذي « 1 » من طريق رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، واستغربه وقال : لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد ، وتعقب قوله بأن أحمد « 2 » وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج ، وبأن ابن حبان والحاكم « 3 » أخرجاه من طريق وهب عن عمرو بن الحارث . وقوله في هذه الآية الكريمة : بِئْسَ الشَّرابُ المخصوص بالذم فيه محذوف ، تقديره : بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به . والضمير الفاعل في قوله « ساءت » عائد إلى النار . والمرتفق : مكان الارتفاق . وأصله أن يتكئ الإنسان معتمدا على مرفقه . وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى . قيل مرتفقا . أي منزلا ، وهو مروي عن ابن عباس . وقيل مقرا ، وهو مروي عن عطاء . وقيل مجلسا وهو مروي عن العتبي . وقال مجاهد : مرتفقا أي مجتمعا . فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم

--> ( 1 ) كتاب صفة جهنم حديث 2581 . ( 2 ) المسند 3 / 70 . ( 3 ) المستدرك ، كتاب الأهوال 4 / 604 .